أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

508

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والردّ عليه ومخالفته لنصّ سيبويه عند قوله تعالى : اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ « 1 » . الثالث : أنه مبتدأ والخبر محذوف والواو للحال . الرابع : أن الواو للعطف وما بعدها مبتدأ محذوف الخبر أيضا ، ولا محلّ لهذه الجملة لكونها دعاء ، والتقدير : وربّك يعينك . قوله : « هاهُنا قاعِدُونَ » « هنا » وحده هو الظرف المكاني الذي لا يتصرّف إلا بجرّه ب « من » و « إلى » ، و « ها » قبله للتنبيه كسائر أسماء الإشارة ، وعامله « قاعِدُونَ » ، وقد أجيز أن يكون خبر « إنّ » ، و « قاعِدُونَ » خبر ثان وهو بعيد ، وفي غير القرآن إذا اجتمع ظرف يصلح الإخبار به مع وصف آخر يجوز أن يجعل الظرف خبرا والوصف حالا ، وأن يكون الخبر الوصف والظرف منصوب به كهذه الآية . قوله تعالى : وَأَخِي : فيه ستة أوجه : أظهرها : أنه منصوب عطفا على « نَفْسِي » والمعنى : ولا أملك إلّا أخي مع ملكي لنفسي دون غيرنا . الثاني : أنه منصوب عطفا على اسم « إنّ » وخبره محذوف للدلالة اللفظية عليه أي : وإنّ أخي لا يملك إلا نفسه . الثالث : أنه مرفوع عطفا على محل اسم « إنّ » لأنه بعد استكمال الخبر ، على خلاف في ذلك ، وإن كان بعضهم قد ادّعى الإجماع على جوازه . الرابع : أنه مرفوع بالابتداء وخبره محذوف للدلالة المتقدمة ، ويكون قد عطف جملة غير مؤكدة على جملة مؤكّدة ب « إنّ » . الخامس : أنه مرفوع عطفا على الضمير المستكنّ في « أَمْلِكُ » ، والتقدير : ولا يملك أخي إلا نفسه ، وجاز ذلك للفصل بقوله : « إِلَّا نَفْسِي » وقال بهذا الزمخشري ومكي وابن عطية وأبو البقاء . وردّ الشيخ « 2 » هذا الوجه بأنه يلزم منه أن موسى وهارون لا يملكان إلّا نفس موسى فقط ، وليس المعنى على ذلك » . وهذا الردّ ليس بشيء ، لأن القائل بهذا الوجه صرّح بتقدير المفعول بعد الفاعل المعطوف ، وأيضا اللّبس مأمون ، فإنّ كلّ أحد يتبادر إلى ذهنه أنه يملك أمر نفسه . السادس : أنه مجرور عطفا على الياء في « نَفْسِي » أي : إلا نفسي ونفس أخي ، وهو ضعيف على قواعد البصريين للعطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجارّ ، وقد تقدّم ما فيه . والحسن البصري يقرأ بفتح ياء « نَفْسِي » و « أَخِي » . وقرأ يوسف بن داود وعبيد بن عمير : « فافرق » بكسر الراء وهي لغة : فرق يفرق كيضرب . قال الراجز : 1722 - يا ربّ فافرق بينه وبيني * أشدّ ما فرّقت بين اثنين « 3 » وقرأ ابن السّميفع : « ففرّق » مضعفا وهي مخالفة للرسم . و « بَيْنَ » معمولة ل « أفرق » ، وكان من حقّها ألّا

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 35 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 457 ) . ( 3 ) انظر البيت في مجاز القرآن ( 1 / 160 ) ، البحر ( 3 / 457 ) .